مدينة الكوت

تاريخ ومعالم مدينة الكوت

متعبة مدن العراق كأنها مقبلة من سفر بعيد ورحلة شاقة، وأسباب التعب كثيرة ويصعب حصرها، ولكن المشكلة في الإطار العام، والكوت جزء منها، ان المدن العراقية لم تقم على ذوق معماري وطراز هندسي واضح المعالم ومدروس ومخطط له، فالمراحل التاريخية المتعاقبة أو القرار السياسي، والسرعة والحاجة والآنية وعدم استقراء المستقبل، كلها عوامل أسهمت بهذا القدر أو ذاك في قيام مدن وإحياء سكنية وشوارع ومخططات لم تلبث بعد عقد أو عقدين أو أكثر ان أصبحت عبئاً على تكوين المدينة وجمالها وخدماتها، بل زحف هذا العبء في أحيان كثيرة على معالم الطبيعة والإرث والتراث الذي لا يجوز المساس به إلا بالاتجاه الذي يضفي على تلك المعالم لمسات ذوقية لا تخل بالجوهر إنما تغنيه. والكوت مركز محافظة واسط عانى الكثير من هذه الإشكالات، فثمة أحياء كان يجب ان لا تقوم في مواقعها الحالية وثمة مساحات سكنية تكاسل المخططون عن دراستها بعناية، وفات وقت تداركها إلا بالحدود المقدور عليها، إصلاح هنا وترميم هناك وحل مؤقت لهذا المرفق أو ذاك، وهي أمور مفيدة بالتأكيد ولكنها لا ترقى الى الأمنية.


الكوت مدينة مؤهلة لمنافسة أحلى عواصم الدنيا لو أخذت الأمور عبر هذه العقود الطويلة مسارها المعماري والحضاري المطلوب، ومع ذلك فالمدينة مازالت عامرة بمؤهلاتها وفرص الاستثمار قائمة وفي المقدمة منها فرصة السياحة، فهناك نهر دجلة الذي يخترق المدينة من الشمال الى الجنوب ويرسم لها صيغة مثالية وصورة نادرة لان النهر عند الكوت تحديدا لا يواصل مساره المستقيم بل يبدو وكأنه قفل راجعا من حيث أتى ثم لا يلبث ان يستدير من جديد ليواصل طريقه الجنوبية، وفي هذا الدوران الظريف لدجلة حول المدينة تتشكل لوحة طبيعية شبيهة بالحرف (u) تجعل الكوت شبه جزيرة تحيطها المياه من جهاتها الثلاث وتسكن داخل سياج مائي مفتوح من طرف واحد فوق مساحة من اليابسة لا تزيد على 40 كيلومترا من الأرض.
نحن إذن أمام شبه جزيرة وذلك يعني بان توسيع مدى الرؤية لهذا المعطى الجغرافي يجب الحفاظ عليه هاجسا ملازما خاصة وان إمكانية خلق بقعة زراعية خضراء تحاذي وتجاور الماء متوفرة تماما زيادة على ذلك، فالمدينة تمتلك واحدا من أجمل الكورنيشات على الخارطة العراقية، إلا انه ظل مهجورا لسنوات طويلة مع الأسف، باستثناء محاولات بسيطة لا تفي بالغرض ونعتقد بان استثمار الفسحة الخضراء على طول النهر وإنشاء المطاعم والكازينوهات والأكشاك ستؤلف مع سدة الكوت ذلك الصرح الجمالي والاروائي والسياحي وحدة متجانسة متناغمة، غير ان الأمنية تتسع الى ما هو اكبر، والتنويع مطلوب إذا ما قدر لنا النهوض السياحي بالجانب الآخر أو الضفة الثانية لدجلة وبناء عدد من الفنادق والمتنزهات والحدائق وتنشيط السياحة النهرية، اخذين بالحسبان بان العائلة (الكوتية) في مسيس الحاجة الى رئة واسعة تتنفس من خلالها ليلا بهيا ومتعا بريئة، وعندها ستجد المدينة نفسها محاطة بازدهار اقتصادي وسياحي وانتعاش للعديد من فرص العمل المنوعة.

قراءة خاصة
على بعد 180 كلم من بغداد، يوزع قضاء الكوت (الذي نال هذه الدرجة الوظيفية قبل 46 عاما) بسماته الظريفة على المسافرين بين العاصمة وبين البصرة والمحافظات الجنوبية لأنه ارتضى لنفسه ان يكون وسط الطريق تقريبا، وابن الكوت الذي لم يتخل على العقال و(اليشماغ) والدشداشة زيا لرجاله يتمتع حقا بمثل تلك الابتسامة الممزوجة بميل واضح الى الدعة والوداعة والهدوء وروح السلم حتى لم نلمس خصومة في سوق ولا صخبا يؤذي قناة السمع وكأن الناس في أحاديثها تتهامس همس المحبين ولكي تستكمل الأسرة الكوتية هذه الصورة فقد انضوت تحت مفهوم الأسرة المحافظة جدا والتي لا تغادر منزلها حتى لو كانت تلك المغادرة لزيارة مدينة الألعاب والمتنزه الفخم للمدينة حيث يشكو على الدوام من (ندرة) رواده على الرغم من انه واحد من أروع معالم الكوت، ولكي تستكمل الأسرة هذه الصورة كذلك فأنها ظلت تراقب بصمت انحسار معالمها الفنية ونصبها الجميلة وأيا كان الأمر فهي الآن محطة استراحة ولكن هذه المحطة أو هذا الدور ليس جديدا على المدينة، فقد كانت مكانا لاستراحة الملاحين والركاب وسوقا للتزود بالطعام والحاجيات منذ عقود بعيدة والمصادر التي وقفنا عليها تؤكد بان المدينة قامت أساسا بمنزلة ميناء نهري يقع عند تفرع نهر الغراف من دجلة، وكانت قبل ذلك أرضا تكسوها الغابات، وقد زرنا تفراع الغراف حيث كانت سفن الحمل الكبيرة والصغيرة تشكل عصب الحياة الاقتصادية ولم نر أثرا للملاحة بعد ان هجرت السفن ميناءها القديم وجدير بالذكر ان هناك نهرين يتفرعان من دجلة عند مدينة الكوت وهما نهر الغراف الذي يتوجه الى الحي والناصرية ونهر الدجيلة الذي يصل الى ناحية واسط ويروي آلاف الدونمات الزراعية.
وتحتفظ ذاكرة الكوت بعشرات المسميات المطلقة على أسواقها، وواقع الأمر يشير الى مصداقية هذه المسميات وكثرتها، وهي تتميز باجتماعها وتركزها في منطقة واحدة تتداخل فيما بينها وتطل بعضها على بعض وتبدو (منطقة الأسواق) كبيرة فعليا إلا ان ذلك لا يخفي حقيقة ان بعض الأسواق التي تحمل أسماء خاصة بها لا تتعدى بضعة محال أو دكاكين ولكن التداخل والتقارب القائم بينها يمارس خدعته البصرية.. على ان ابرز واهم ما في الأسواق أنها تحمل هوية الكوت التاريخية وبقايا دلائل ولادتها القديمة، ولكن الحداثة زحفت شيئا فشيئا على تلك الهوية ومسحت معالمها والأسرة الكوتية المسالمة تنفرج بصمت، ومن يدري فلولا قوة السمنت والحديد التي تستند إليها سدة الكوت لطالتها الحداثة كذلك. قامت هذه السدة عام 1934 لأداء وظيفة أروائية تتمثل بتنظيم مياه دجلة ورفع المناسيب أمام مقدم السد لتمويل نهري الغراف والدجيلة بحاجتهما الى الكميات المائية المطلوبة زراعيا، وإذا كانت بواباتها وحركة عبور الماء وارتطامه ودويّه وتلاطم أمواجه ورذاذه يؤلف مشهدا خلابا يصعب على الذاكرة نسيانه ويصعب متابعة 56 بوابة في مرة واحدة وهي تكرر المشهد ذاته، فان ممر السدة القائم عند آخر بوابة من بواباتها يمثل سحرا خاصا به فهو معبر للسمك المهاجر من الكوت الى مدينة سامراء باتجاه معاكس للمياه وذلك لغرض وضع البيض والتكاثر والرحلة قرابة (1500كم) ما بين الذهاب والإياب. والسمك وصيد السمك الذي لم يعد اليوم كعهده في السابق ليس المنفذ الاقتصادي الوحيد للمدينة فهناك حركة زراعية نشيطة وهناك حياة تجارية وبيع وشراء ومحال وأسواق وهناك أيضا (علامة) الكوت المتميزة صناعيا واقتصاديا والتي يعبر عنها معملا الغزل والنسيج والحياكة.
قراءة تاريخية
دجلة هنا سيد المكان ليس فقط لأنه يهب المدينة ليلا مترعا بالأنس حيث يزدحم الكورنيش بالايس كريم وأقداح الشاي ورائحة الكباب ومقاهي الدومينو ومجاميع الشباب وإنما لأنه كذلك منذ غير مجراه الغربي القديم الى مجراه الشرقي الحالي احدث انقلابا في التاريخ والجغرافية فقد أدى هذا التغيير الى اضمحلال مدينة واسط الأثرية وسط الصحراء وميلاد مدينة جديدة على الطرف الثاني من دجلة، تدعى الكوت، ويراد بهذا اللفظ البيت المبني على هيئة قلعة محصنة مثل كوت الباشا وكوت السيد وكوت ابن نعيمة وغيرها كما أطلق هذا اللفظ على بيوت الفلاحين التي تبنى على حافة النهر مباشرة ويرجح بعض الدارسين ان الكلمة هي من بقايا اللغة الكلدانية أو أنها من أصل بابلي قديم معدل عن كلمة كوت لان قاموس العرب لا يتناولها بين مفرداته.
خلال مسارها التاريخي حملت الكوت مسميات عديدة منها (كوت العمارة) لان الموضع الذي كان نهر دجلة يمر به من المدينة يسمى شط العمارة، ومنها (كوت الإمارة) نسبة الى أمراء ربيعة الذين سكنوا المنطقة كما حملت اسم (كوت سبع) نسبة الى احد شيوخ المنطقة (سبع بن خميس) الذي شيد قلعة من الآجر في القرن الماضي.
الحديث عن تاريخ الكوت طويل ومتشعب ولكن الحدث الأبرز هو الحصار الذي تعرضت له المدينة خلال الحرب الكونية الأولى والمعارك الطاحنة بها.
سدة الكوت
تاريخ غير مكتوب لذكريات جميلة

يعتلي نهر دجلة لدى مروره في مدينة الكوت 180 كم جنوب العاصمة بغداد سداً أروائيا صار يعرف لدى مواطني المدينة بتسمية “سدة الكوت”.. هذا السد كان منذ الانتهاء من اعمال إنشائه عام 1939 مَعلما حضاريا يتغنى به أبناء مدينة الكوت، ومن لطائف الأمور انك ما ان يجمعك حديث الذكريات مع احد أبناء المدينة كانت”السدة” حاضرة بكل ما تعنيه من شموخ اعتلائها صهوة دجلة وخيلاء تحكمها بمياهه.
يشير التاريخ المكتوب عن إنشاء السد الاروائي في الكوت الى ان فكرة إنشائه تعود الى عام 1914 وجاء لأغراض التحكم بمياه نهر دجلة الدافق، وامتدت فترة انجازه من عام 1934 – 1939 وبكلفة مالية لم تتجاوز الثلاثة ملايين دينار عراقي، وسجل تاريخ افتتاحها في 29 / 3 / 1939 إقامة حفل بهيج حضره الملك غازي قال فيه مخاطبا الجماهير التي احتشدت فرحا بانجاز هذا السد الذي يعني بالنسبة لها خاتمة لمخاوف فيضان نهر دجلة ” من دواعي سرورنا العظيم ان نوفق على افتتاح هذا المشروع الحيوي.. نذكر أننا وضعنا حجر الأساس منذ أربعة أعوام خلت تحقيقا لرغبة والدي الغالية وكلمته القيمة التي لا تزال تتردد في خاطرنا وهي لا مشروع قبل الغراف “.
والغراف نسبة الى نهر الغراف الذي يتفرع عن نهر دجلة لدى مروره في الكوت، ويعرف عند أهل مدينة الكوت بتسمية “شط الغراف” هذا مجمل ما ذكره التاريخ لنا عن هذا السد الذي يبلغ طوله 500 م وفيه ممر للسفن ويسهم في إرواء مليون وربع المليون من دونمات الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة في محافظات واسط وميسان وذي قار .
وعن ذكريات أبناء مدينة الكوت عن هذا السد كانت (للمستقبل العراقي) عددا من اللقاءات فقال “جاسم محمد حنية” نقلا عن والده الذي توفي وكان قد شارك الى جانب المئات من العمال في إنشاء هذا السد، حدثنا أبي عن فترة عمله في إنشاء مشروع “سدة الكوت” عام 1935 أي بعد عام من انطلاق العمل فيها قائلا: ان عملنا كان يبدأ في الساعة الخامسة صباحا وينتهي في السادسة مساء وعلى شكل وجبتين، وقد اخبرنا بأن عددا كبيرا من العاملين قد لاقى حتفه غرقا في نهر دجلة، كما وأكد لي بأن معظم العاملين في اعمال إنشاء سدة الكوت كانوا من مناطق بعيدة (قرى وأرياف) ،عن مدينة الكوت ولغرض تلافي تأخرهم عن الحضور الى موقع العمل تم إنشاء مساكن صغيرة على قطعة ارض مجاورة لموقع السدة وما لبث ان صارت هذه المساكن حيا سكنيا يعرف بـ”المشروع” نسبة الى مشروع إنشاء سدة الكوت .
أما المعلم المتقاعد “حسن” قال وهو يجول في ذاكرته كنا في فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي طلابا في المدارس وكنا نجلس في منطقة تطل على شاطئ نهر دجلة في الكوت تعرف بـ”ساحة العامل” نسبة الى تجمع العمال فيها انتظارا لفرصة عمل، وكنا ننظر بلهفة الى “هويس” ممر السفن على أمل وصول بواخر نقل البضائع والمواد الغذائية الآتية من بغداد لغرض القيام بأعمال التفريغ لشحنتها مقابل أجور كنت وزملائي في الدراسة نوفرها لسد متطلبات الموسم الدراسي إضافة الى مساعدة أهلنا في سد متطلبات العيش. وعن ذكريات صيادي الأسماك قال”علي” الذي لقب بـ”السداوي” بالنظر لتفضيله القيام بصيد الأسماك قرب سدة الكوت ان معظم الصيادين كانوا يفضلون الصيد بالقرب من سدة الكوت.
وعن السر الذي يقف وراء تفضيل هذا المكان قال وجود قطع خراسانية تفصل ما بين بوابات مرور المياه عبر السدة يتيح للصيادين اتخاذها موقعاً ملائماً لممارسة صيد الأسماك. وعن ذكريات السفرات المدرسية الجميلة لمدارس مدينة الكوت الى موقع السدة قال رئيس المرشدين الزراعيين ” محمد حسين عبد الأمير” في عام 1974 كنت طالبا في إعدادية الكوت للبنين وقد بادرت إدارة المدرسة الى تنظيم سفرة مدرسية الى موقع السدة للوقوف على معالمها الحضارية وفي حينها تم انتداب الأستاذ مجيد الحسيني أستاذ مادة التاريخ في الإعدادية لمرافقتنا، وعند تواجد الأستاذ الحسيني قرب السدة توجه بسؤال الى الطلبة الذين شاركوا في هذه السفرة، (لو كنت مسؤولا في الدولة ماذا ستفعل)؟
فتعددت الإجابات فقال: الطالب مفيد ناجي الراضي (سأبادر الى صنع يخت). أما الطالب نجم الخطاوي فقال: (سأنشئ في هذا المكان منتدى للفنانين والشعراء من مختلف دول العالم).
أما الطالب غالي عبد فقال: (في حال سفري الى خارج العراق، سأحدث العالم عن مدينتي الكوت وسدتها العظيمة). وعن أمنيته التي ذكرها مجيبا على سؤال أستاذ التاريخ قال محمد حسين عبد الأمير قلت :(أمنيتي ان احيي الأرض التي تقع بالقرب من موقع السدة لتكون حدائق ومتنزهات). ويضيف عبد الأمير قائلا: لم أكن في حينها أتصور بأنني سأتمكن من ان أرى حلمي يتحقق بإحياء 2500 م2 من الأرض بقرب السدة لتكون مكانا يرتاده الشباب لقضاء أوقات فراغهم من خلال إنشاء “كازينو” صيفي يتم استخدامه ايضا لإحياء المهرجانات الشعرية والاحتفالات العامة.

المصدر :المستقبل العراقي

numaniyah

موقع النعمانية للتواصل معنا info@numaniyah.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *